محمد أبو زهرة

1757

زهرة التفاسير

كشف ابن الأرض فيه الفضاء ، وصارت الحرب لا تكون بشجاعة الشجعان ، بل تكون بالأدوات وغيرها . . ولقد قال أبو بكر لخالد بن الوليد يوم حرب اليمامة : « حاربهم بمثل ما يحاربونك به » ! فعلينا أن نعد العدة بمثل ما يعدون ، وقد ابتكروا ما يخرب الديار ، فعلينا أن نعمل بهذا الابتكار ، فإن الشر لا يدفع إلا بمثله . والله من ورائهم محيط . والثانية في قوله تعالى : فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ، فمعنى انفروا : اخرجوا إلى ميدان القتال أو الحراسة . وقالوا : إن نفر ينفر معناه انزعج وخرج إلى عمل من الأعمال ، ومنه قوله تعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ( 122 ) [ التوبة ] ، ومصدره النفر أو النفار أو النفير ، والأخير قد يطلق بمعنى الجماعة النافرة . وقالوا إن نفر ينفر - معناها انزعج عن الشئ ، ومنه النفور من الأمور ونفور الدابة . ( وثبات ) جمع ثبة ، وهي في الأصل ثبية ، حذفت الياء ، ووزنها فعة . ويقال : ثيبت الجيش ، جعلته ثبة ثبة ، أي جعلته جماعة متفرقة ، كل واحدة لها مقصد خاص ، وعمل تقوم به ، اقتضاه توزيع القوى . والنفير جماعة جماعة ، هو الحال الدائمة المستمرة ، فيجب أن تكون حراسة مستمرة للحدود والثغور ، وهي المرابطة ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) [ آل عمران ] . وأما النفير العام فإنما يكون عند قيام الحرب التي لا تكفى فيها كتيبة ، أو كتيبتان ، أو كالتعبير التاريخي في الإسلام : سرية أو سريتان أو أكثر ، بل لا بد من الجيش المحارب كله والأمة من ورائه تؤيده وتؤازره . ولكن ما المراد من النفير جميعا ؟ أهو الجيش المحارب كله ، أم نفير الأمة كلها ؟ لا شك أنه إذا لم تغن السرية وجب أن يتقدم الجيش كله ، وتقدم الجيش كله هو في معنى نفير الأمة كلها ؛ لأن الأمة عليها أن تكون الجيش المقاتل ، تؤازره وتؤيده بالمال والقول والعمل ، وتكون من وراء ظهره تدفعه إلى العمل وتحميه من